ابن كثير

356

البداية والنهاية

ذهب وفضة ، وتفاصيل من حرير تلك البلاد ألوان ملونة ، فوضع ذلك كله بين يدي أسد حتى امتلأ المجلس ، ثم قام الدهقان خطيبا فامتدح أسدا بخصال حسنة ، على عقله ورياسته وعدله ومنعه أهله وخاصته أن يظلموا أحدا من الرعايا بشئ قل أو كثر ، وأنه قهر الخان الأعظم ، وكان في مائة ألف فكسره وقتله ، وأنه يفرح بما يفد إليه من الأموال ، وهو بما خرج من يده أفرح وأشد سرورا ، فاثنى عليه أسد وأجلسه ، ثم فرق أسد جميع تلك الهدايا والأموال وما هناك أجمع على الامراء والأكابر بين يديه ، حتى لم يبق منه شئ ، ثم قام من مجلسه وهو عليل من تلك الدبيلة ، ثم أفاق إفاقة وجئ بهدية كمثرى فجعل يفرقها على الحاضرين واحدة واحدة ، فألقى إلى دهقان خراسان واحدة فانفجرت دبيلته وكان فيها حتفه ، واستخلف على عمله جعفر بن حنظلة البهراني ، فمكت أميرا أربعة أشهر حتى جاء عهد نصر بن سيار في رجب منها ، فعلى هذا تكون وفاة أسد في صفر من هذه السنة ، وقد قال فيه ابن عرس العبدي يرثيه : نعى أسد بن عبد الله ناع * فريع القلب للملك المطاع ببلخ وافق المقدار يسري * وما لقضاء ربك من دفاع فجودي عين بالعبرات سحا * ألم يحزنك تفريق الجماع أتاه حمامه في جوف صيغ * وكم بالصيغ من بطل شجاع كتائب قد يجيبون المنادي * على جرد مسومة سراع سقيت الغيث إنك كنت غيثا * مريعا عند مرتاد النجاع وفيها عزل هشام خالد بن عبد الله القسري عن نيابة العراق ، وذلك أنه انحصر منه لما كان يبلغه من إطلاق عبارة فيه ، وأنه كان يقول عنه ابن الحمقاء ، وكتب إليه كتابا فيه غلظة ، فرد عليه هشام ردا عنيفا ( 1 ) ، ويقال إنه حسده على سعة ما حصل له من الأموال والحواصل والغلات ، حتى قيل إنه كان دخله في كل سنة ثلاثة عشر ألف ألف دينار ، وقيل درهم ، ولولده يزيد بن خالد عشرة آلاف ألف ، وقيل إنه وفد إليه رجل من الزام أمير المؤمنين من قريش يقال له ابن عمرو ( 2 ) ، فلم يرحب به ولم يعبأ به ، فكتب إليه هشام يعنفه ويبكته على ذلك ، وأنه حال وصول هذا الكتاب إليه يقوم من فوره بمن حوله من أهل مجلسه فينطلق على قدميه حتى يأتي باب ابن عمرو صاغرا ذليلا مستأذنا عليه ، متنصلا إليه مما وقع ، فإن أذن لك وإلا فقف على بابه حولا غير متحلل من مكانك ولا زائل ، ثم أمرك إليه إن شاء عزلك وإن شاء أبقاك ، وإن شاء انتصر ، وإن شاء عفا . وكتب إلى ابن عمرو يعلمه بما كتب إلى خالد ، وأمره إن وقف بين يديه أن يضربه عشرين سوطا على رأسه ، إن رأى

--> ( 1 ) انظر نسخة كتاب خالد إلى هشام ورد هشام عليه في الطبري 8 / 251 . ( 2 ) من آل عمرو بن سعيد بن العاص .